أخبار عاجلة
الرئيسية / في الصحافة / مقالات / مشكلة الغارمات والغارمين … في ميزان الاقتصاد
مؤسسة حياه للتنمية والدمج المجتمعي index مشكلة الغارمات والغارمين ... في ميزان الاقتصاد

مشكلة الغارمات والغارمين … في ميزان الاقتصاد

دكتور اسلام ابو المجد باحث في الاقتصاد السياسي يكتب عن:

مشاكل الغارمين في مصر.

أثارت أرقام وإحصاءات تداولها مسئولين حكوميين[1] حول واقع التعثر في سداد القروض الشخصية، مخاوف من استمرار دوامة الديون، وتأثيراتها السلبية على الاستقرار الأسري وإنتاجية الفرد وسياسات الإنفاق الحكومية، يعمل على زيادة عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع المصري، بما يمكن وصفه بـ “الوباء الاجتماعي”، الذي يُعد عائق أمام أهداف التنمية المستدامة للاقتصاد المصري.

وتعريف مصطلح الغارمات والغارمين هم: “كل من عليه دين ولم يستطع سداده”. هى ظاهرة اقتصادية اجتماعية انتشرت في المجتمع المصري نتيجة إرتفاع عدد المواطنين تحت خط الفقر، وقد شاعت مؤخراً إحصائية تقدر عدد الغارمين والغارمات في السجون المصرية بنسبة تتراوح بين 20% إلى 25% [2] من إجمالي السجناء أي قرابة من 20 : 25 ألف سجين/ة، بينما تتناول تقديرات أخرى هذه الأعداد لتزيد إلى حوالي 30 ألف سجين/ة أما عن الغارمين و الغارمات الذين حصلوا على أحكام نهائية و لكنهم مازالوا خارج السجون، فإن الأعداد تتضاعف حيث أن هناك مئات الألوف من الأحكام النهائية التي مازالت قيد التنفيذ.

وتشير دراسة أجريت علي عينة ممثلة لعدد ١٢٠ من الغارمات أن متوسط مبلغ الدين للغارمة في الأجهزة الكهربائية والأثاث لا يتعدي السبعة آلاف جنيه، وعلى الصعيد الأخر هناك من صدرت ضدهن أحكام من أجل ٩٠ جنيه.[3]

ويعد من أهم الأسباب التنظيمية لتفاقم هذه المشكلة، فوضى سوق إئتمان الشخصي في مصر، وإنتشاره بشكل غير منظم من خلال السوق غير الرسمي، فإن التجزئة المصرفية، وهى السوق الرسمي للإئتمان الشخصي، مازال غير منتشر بالشكل الكافي في مصر، حيث لا تتعدى نسبته ١٠٪ من إجمالي المحفظة الائتمانية في البنوك العاملة في مصر،[4] فالمواطن المصري إما يرتاب التعامل مع البنوك، أو ليس مؤهلاً للإقتراض وفق الضوابط المعمول بها في البنوك العاملة في مصر.[5]

وفي السوق الغير رسمي للائتمان الشخصي، تزايدت حدة هذه الظاهرة نظراً لاستخدام التجار ما يعرف بـ “إيصالات الأمانة” لتوثيق الدين مما يحول عملية البيع والشراء من قضية مدنية يمكن الفصل فيها دون عقوبة الحبس، إلى قضية جنائية تؤدي إلى السجن لسنوات عدة.

والمحترفين في السوق الغير الرسمي من التجار يعلمون تماماً تلك الحقائق، فهم يقرضون يعرفون مسبقاً زيادة احتمالات تعثره، على أساس أنه سيتدبر أمره بأي طريقة خشية السجن، مع التركيز على أن يكون الدائن أو ضامنه من النساء، لتكون ورقة أثناء السداد تحت ضغط الأحكام الجنائية، بما يعد تمييزاً ضد المرأة.

كما أنه ظهرت في السوق غير الرسمي للائتمان الشخصي الأساسي ظاهرة في غاية الخطورة، تمثل سوقاً غير رسمياً ثانوياً، يتمثل في سوق “توريق” ديون الغارمات والغارمين، والتي تعني عمليات بيع وخصم ديون الغارمات والغارمين لدى أشخاص غير الدائنين الأصليين، وخاصة للأشخاص الذين يستطيعون تحويل أو تجنب تكلفة تحصيل تلك الديون، وخاصة من العاملين بمهنة المحاماة أو العاملين السابقين في الأجهزة الأمنية، والذين في شكل شركات المحاماة وتحصيل الديون المتعثرة.

وهذه الظاهرة تعظم من الآثار السلبية لمشكلة الغارمات والغارمين، حيث يتم إدخال الغارمات والغارمين إشكالية سداد الدين – المدني في أصله – وسداد تكاليف وهامش ربح “توريق” هذا الدين، والتي غالباً تكون مبالغاً في قيمتها، تحت ضغط الأحكام الجنائية، خاصة تلك التي توجه ضد المرأة.

وحتى في غياب الإحصائيات والدراسات الموثقة وفق القواعد العلمية بخصوص تلك الظاهرة، فإن النظرة السطحية تعكس إنه لا يمكن مقارنة المنفعة والعائد الاقتصادي للسوق غير الرسمي للائتمان الشخصي، الذي يتضاءل أمام التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لتفاقم ظاهرة الغارمات والغارمين، والتي يمكن أن تؤكده أي دراسة اقتصادية اجتماعية جدية للظاهرة.

ولعل من أهم الحلول لهذه الظاهرة على المدى القصير، العمل على زيادة وعي السلطة القضائية بمكونتها (القضاء – النيابة العامة – المحامين)، بخصوص الظاهرة وأبعادها القانونية، وكفالة أن يتم تدقيق هذه القضايا وفق توصيفها القانوني السليم، كقضايا مدنية، لإنعدام النموذج الجنائي المطلوب لتوصيفها كجريمة جنائية.

والعمل على إعداد قوائم سوداء لجميع العاملين في السوق الغير رسمي الأساسي والثانوي للائتمان الشخصي، من خلال لجان شعبية، يتم العمل على تمكينها من أداء دور رقابي شعبي على هذه السوق، من خلال أدوات قانونية تتمثل في قانون المحاماة وقانون حماية المستهلك ونموذج جريمة البلاغ الكاذب وقواعد التعسف في استخدام الحق في التقاضي.

والعمل على الحلول على المدى المتوسط والطويل، من خلال العمل على إدماج السوق الغير رسمي الأساسي والثانوي للائتمان الشخصي، في السوق الرسمي للائتمان الشخصي، من خلال دعم مشروع تشريع “الاقتراض العادل”، والذي يعمل على تحميل الدائن في الائتمان الشخصي مسئولية التحقق من الجدارة الائتمانية للمدين، وإفصاحه عن بيانات الدين، وإدخالها في منظومة الاستعلام الائتماني في السوق الرسمي للائتمان الشخصي، وخلق عقوبات اقتصادية على المخالفين، من خلال تفعيل القواعد القانونية لنظام “الإعسار” المدني.

وذلك بما يعمل على تحقيق التزامات مصر بخصوص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وفاءًا لتصديق مصر على العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ودعم أحد أهم جوانب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وبما يعمل على تحقيق التنمية المستدامة للمجتمع المصري.

[1]  خبر : موقع برلماني: وزارة التضامن الاجتماعي: السيدات يشكلن 25% من إجمالي عدد الغارمين في مصر – للمزيد

https://goo.gl/Dka4P7

[2]  المصدر السابق.

[3]  دراسة ميدانية من واقع ديون مجموعة من السيدات في القاهرة الكبرى –  مبادرة “علشان الخير يعم”.

[4]   Gabor, David. Retail Banking in Egypt: an oasis for growth, away from the storm.

[5]  على الرغم من أنه يوجد عدد من المشكلات التي ظهرت في إطار تطبيق نظم التجزئة المصرفية في مصر، نتيجة تجاوزات جسيمة من قبل بعض البنوك العاملة في مصر لقواعد الائتمان للتجزئة المصرفية، وقواعد الجدارة الائتمانية للعملاء الأفراد، ولكن يبدو أن ذلك يمكن معالجته في إطار السوق الرسمي بشكل أيسر مما يمكن التعامل معه في السوق غير الرسمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *